عبد القاهر الجرجاني
225
دلائل الإعجاز في علم المعاني
لو خيّر المنبر فرسانه * ما اختار إلا منكم فارسا " 1 " الاختصاص في " منكم " دون " فارسا " ولو قلت : " ما اختار إلّا فارسا منكم " ، صار الاختصاص في " فارسا " . واعلم أنّ الأمر في المبتدأ والخبر ، إن كانا بعد " إنّما " على العبرة التي ذكرت لك في الفاعل والمفعول ، إذا أنت قدّمت أحدهما على الآخر . معين ذلك : أنك إن تركت الخبر في موضعه فلم تقدّمه على المبتدأ ، كان الاختصاص فيه وإن قدّمته على المبتدأ ، صار الاختصاص الذي كان فيه في المبتدأ . تفسير هذا ، وأنّك تقول : " إنّما هذا لك " ، فيكون الاختصاص في " لك " بدلالة أنك تقول : " إنّما هذا لك لا لغيرك " وتقول : " إنما لك هذا " ، فيكون الاختصاص في " هذا " ، بدلالة أنك تقول : " إنّما لك هذا لا ذاك " ، والاختصاص يكون أبدا في الذي إذا جئت " بلا " العاطفة كان العطف عليه . وإن أردت أن يزداد ذلك عندك وضوحا ، فانظر إلى قوله تعالى : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد : 40 ] ، وقوله عزّ وعلا : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ [ التوبة : 93 ] ، فإنك ترى الأمر ظاهرا أن الاختصاص في الآية الأولى في المبتدأ الذي هو " البلاغ " و " الحساب " ، دون الخبر الذي هو " عليك " و " علينا " وأنه في الآية الثانية في الخبر الذي هو " على الذين " ، دون المبتدأ الذي هو " السّبيل " . واعلم أنه إذا كان الكلام " بما " و " إلا " كان الذي ذكرته من أنّ الاختصاص يكون في الخبر إن لم تقدّمه ، وفي المبتدأ إن قدّمت الخبر أوضح وأبين ، تقول " 2 " : " ما زيد إلا قائم " ، فيكون المعنى أنك اختصصت " القيام " من بين الأوصاف التي يتوهّم كون زيد عليها بجعله صفة له . وتقول : " ما قائم إلّا زيد " ، فيكون المعنى أنك اختصصت زيدا بكونه موصوفا بالقيام . فقد قصرت في الأول الصفة على الموصوف ، وفي الثاني الموصوف على الصفة . واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخّر نحو : " ما زيد إلّا قائم " ، أنك اختصصت القيام من بين الأوصاف التي يتوهّم كون زيد عليها ، ونفيت ما عدا القيام عنه ، فإنما نعني
--> ( 1 ) البيت أورده القزويني في الإيضاح ( 132 ) ، والسكاكي في المفتاح ( 410 ) ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 97 ) ، وعزاه للحميري . ( 2 ) كان الذي ذكرته . . . أوضح وأبين " هكذا السياق .